السيد محمد تقي المدرسي

163

من هدى القرآن

[ 77 ] ثم يبين بأن أولئك الذين يتعلقون بأموال الدنيا ، ويزعمون بأن سعيهم وعملهم ينبغي أن يكون من أجل الدنيا ، ومن أجل الحصول على المال والولد . إن هؤلاء على خطأ كبيرٍ ، لأن زينة الحياة الدنيا ليس من المؤكد الحصول عليها ، فقد يحصل الإنسان عليها وقد لا يحصل . ولو افترضنا أنه حصل عليها ، فليس من المضمون أن تكون رحمة ، بل قد تكون عذاباً له ، إما في الدنيا أو في الآخرة . وأخيراً ، فإنَّ ما يحصل عليه الإنسان قد يسعده في الدنيا ، ولكن هل الدنيا نهاية رحلة الإنسان ؟ كلا . . إذن ، عليه ألَّا يحصر كلَّ اهتمامه ، وكلَّ سعيه من أجل الحصول على المال والولد ، كما عليه ألَّا يتعلق بغير الله ويجعله إلهاً يعبده من دونه ، فإن المال قد يصبح معبود الإنسان ، كذلك الولد ، والعلم والغنى . وعموماً إن على الإنسان ألّا يفقد ذاته من أجل شيء ، أنى كان ذلك الشيء . فإذا عشقت العلم لمجرد العلم ، وليس لمنفعتك ولا لمنفعة الناس ، وإذا أحببت الفن للفن لا لمنفعتك ولا لمنفعة أحد ، وأي شيء في الحياة لو عشقته عشقاً مجرداً من دون أن تفكر في مدى منفعته لك أو لمجتمعك أو لقيمك ، فإنَّ ذلك لن يكون مجدياً . لأن هذا الشيء سوف ينتهي ولن يعطيك شيئاً ، بل سوف تخسر نفسك ، وتخسر آمالك وتطلعاتك . نعم ، العلم في حدود الإيمان ، والفن من أجل سعادتك وسعادة الناس ، والسلطة من أجل العدالة ، والثروة من أجل العمارة ، وهكذا سائر أشياء الحياة الدنيا إن كانت من أجل القيم وفي حدود القيم كانت نافعة لأننا آنئذٍ نحب تلك الأشياء لأننا نحب القيم ، أما إذا انعكست الآية وأردنا أن تكون القيم وراء الأشياء ، وتحولت الحياة إلى شيء يعبد من دون الله ، فإنَّ هذا لن ينفعنا ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، يقول ربنا سبحانه : أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَداً في مقابل الباقيات الصالحات التي يدّخرها الإنسان لمستقبله ، هناك من يسعى ويدّخر جهوده ليس من أجل الباقيات الصالحات ، وليس من أجل الله ، ولا رسالته ، ولا من أجل المجتمع ، إنما لكي يصبح أكثر أموالًا وأولاداً . والقرآن الكريم يقول : أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ أي انظر وتدبر في عاقبة هذا الرجل الذي كفر بآياتنا . إن الإنسان الذي يسعى من أجل المال والولد في حدود الإيمان بالله وفي حدود القيم فلا بأس عليه ، أما الذي يكفر بالآيات من أجل المال والولد وغروراً بهما فما عليه إلا أنْ ينتظر عاقبته ، ويبدو من الآية : أن الإنسان يشعر في قرارة نفسه بالضعف ، وفطرته تدعوه